في الفسطاط

ملعونة هي الدنيا بكل ما فيها ... لأنها متطرفة بكل أشيائها ... تأخذ كيفما تريد وتترك كما تريد ... ملعون هو المال قل أو كثر ... كما هي ملعونة حياتنا التي تعطي وترفع من تشاء وتعض وتهمش من تشاء ... ملعون هذا القلب الذي أحب السفر وعشق الترحال ولم يجن من فوائده إلا ذكريات وبعض أشخاص تألفت روحي بأرواحهم فتولدت الصداقة وكانت المودة .
ملعونة هي المسافة التي تفصل العيون عن مواطن الجمال والقلب عن نبضات الحب ، والخيال عن الانطلاق من عقاله ليعود بأحلام وردية ... وأحياناً كوابيس تحتاج إلى عمر إضافي حتى تجتاحها ... فاسدة هي العاطفة إن لم تعشق الطبيعة وتذوب فيها كما تعشق الحسان وليالي الأنس .
آآآه ما أسعد الطيور وما أشقى الإنسان !!! ... أي حرية هذه التي يدعيها ? وهو إما حبيس الفقر او سجين التأشيرات التي يسمح لك من خلالها دخول ارض شقيق او بيت صديق ...آآآه ما أسعدني لو تحولت طيرا أرفرف بأجنحتي متى شئت واهبط أنى شئت وأينما شئت ... آآآه ما أضيق العمر لولا فسحة الجمال..آآآه ما أبشع الكلمات لولا إنها تطرزت بأسماء النساء وتوشحت بقصائد الحب والغزل..آه ما اقصر أيام الإنسان في هذه الدنيا وما أعسرا لحال .
ما الذي أيقظ فكرة السفر بداخلي من جديد ... ولماذا تغطي صورة مصر كل مساحات الخيال ... لماذا مصر دون غيرها تراودني عن نفسها ? فأجدني أهم بها كما همت بي ... لماذا هذا العشق لسيدة التاريخ ... وأم الحضارات ?.
كنت قد قرأت سورة يوسف من كتاب الله وأبهرتني حيث رأيت تجربة النبي الحكيم بمصر والمكانة التي وصل إليها تجلت لي صورة مصر وعدالتها ورجوعها للحق إن زاغت عنه أو غفلت للحظة... كذلك قرأت نصيحة الله جل وعلا لبني إسرائيل بالهبوط لمصر ليأكلوا مما تنبت الأرض عندما أرادوا استبدال المن والسلوى ، وكنت قد شاهدت بعض الأفلام التي تتحدث عن قدرة المخابرات المصرية على اختراق الموساد وأجهزة الدولة العبرية ومؤسساته الفاعلة ... كل هذا أغراني بالذهاب إليها للاقتراب من هذا الشعب وهؤلاء الناس لأتعرف على طبيعتهم عن قرب .
نعم سأذهب لمصر ... لأرى إنسانها والذي بقدر ما كرهته وحقدت عليه بقدر ما أحببته وعشقته عندما تعرفت إليه في بلاد الاغتراب الحقيقي ، نعم ، سأدخل مصر ... سأطوفها من شرمها إلى أسوانها ... سأدخل ارض الكنانة لأرى شيئا من حضارتها الضاربة جذورها في عمق التاريخ .
تناولت جواز سفري .. وفي الصباح اتجهت لدائرة الأحوال المدنية والجوازات العامة لتجديده ... وخلال ساعة من الزمن كان عمر جوازي يمتد لخمس سنوات قادمة ... آآآه لو أن عمر الإنسان يتجدد كجواز السفر ... من هناك تابعت رحلتي إلى إحدى الشركات المتخصصة بنقل الركاب ... حجزت تذكرتي وحدد يوم السفر بيوم الخميس على أن أكون أمام مقر الشركة في السابعة صباحاً كون الرحلة ستنطلق من نويبع إلى السويس في نفس اليوم لتصلها ظهر الجمعة .
عدت للبيت منتشياً...الروح ترتدي ثوب الفرح ... كيف لا أتألق بثوب السعادة وأنا سأزور ارض الاسكندر الأكبر ... وادخل مدينة المقاومة والفداء ... كيف لا أعتم بعمامة الزهو وأنا سأصافح الفراعنة ...سأدخل مصر أمناً بإذن الله لعلي ارتمي بأحضان زليخة أو التقي بواحدة من صويحبات يوسف ... لعلي التقي بأسيا او اشفع للماشطة عند فرعون العظيم ، كيف لا وأنا أقف بحضرة أول الموحدين من الفراعنة ... كيف لا يتملكني السرور وأنا سأقبل يدي كليوبترا ونفرتيتي ... وسأعانق حتشبسوت أول فرعونية حكمت لمدة تزيد عن عقدين من الزمن وهي أول المناديات بحقوق النساء..لتثبت أن هذه الأرض هي صاحبة الريادة والمبادرة في كل شيء ، كيف لا وأنا سأقف بحضرة أبي الهول وادخل الأهرامات عساني اعثر على شيء يكون جديداً .
مساء الأربعاء " أي قبل السفر بيوم واحد" افتعلت مشاجرة مع زوجتي لأغادر المنزل دون أن تسألني عن وجهتي ... لأني أعرفها جيدا ستصر على مرافقتي فتفسد عليّ رحلتي او ألغيها وأنا لا ارغب بهذا او بذاك . اتصلت بأحد أصدقائي ويدعى محمد سليمان وأبلغته بأني سأكون في مدينة السويس ظهر الجمعة ... فأخبرني بأنه سيكون بانتظاري هناك ... وكنت قبل ذلك قطعت اتصالي بالأهل والمعارف لئلا يعلموا عن نيتي في السفر فيخبروا زوجتي ويكون ما أخشاه . في حوالي السادسة والنصف من صباح الخميس أيقظني المنبه .. فنهضت من نومي ... اغتسلت وبدلت ملابسي ... تناولت حقيبتي الصغيرة وغادرت دون أن تستيقظ ... ووصلت إلى عمان في حوالي السابعة والنصف او الثامنة إلا ربعا ... أين سأقضي الوقت الطويل المتبقي عن موعد الرحلة .. رحت أتسكع في شوارع العبدلي ... أودع وجوه الصبايا ... أودع الشوارع وأوصيها بأن تبلغ أشواقي وقبلاتي لكل من يمر بها من حسان أو متعبون .
لقاء فاطمة

وحان الموعد وصعدنا إلى الحافلة وكانت تجلس إلى جانبي صبية في بداية الثلاثينات كما قدرت ... انظر إليها... أتأملها ... لا بل تعريها نظراتي ... أود محادثتها ... لا يعقل أن أبقى أربع ساعات دون أن أتكلم ... كانت تحضن طفلها فوجدت ضالتي ... وجدت الطريقة التي اكلمها بها ... وقبل أن تبدأ بكلامها ... قالت بشيء من التوتر ... لماذا تنظر إلي هكذا ؟ قلت فقط لأستفسر عن سر بكاءك والدموع التي تملأ عينيك ... فلا شيء في الدنيا يستحق أن نحترق لأجله مهما كان " اضحك للدنيا تضحك لك الدنيا وابكي تبكي لوحدك " دعني فلا شيء يستطيع أن يطفيء حزني إلا هذا الأمل الذي احمله بين يدي ... بالتأكيد سيأخذ بثأري من الدنيا... كان الحزن البادي على وجهها يضفي جمالا على جمالها ... وكان بريق الدموع يزيدها حسنا على حسنها ... هلا قبلتني لك أخا وصديقا حتى نصل ارض الخير .. ارض الكنانة...ارض مصر ... شيء اعتز به ولكن للأخت حقوق على أخيها وأخشى أن أزعجك ... لا والله يا ... فاطمة قالت ... لا والله يا أختي .
لا ادري سر التعاطف الذي قضى على الرغبة في المتعة بالنظر إليها ... لا ادري بعدها كيف مر الوقت ... كنا نضحك ونتبادل النكات ... كنت متأكدا بأن ابتسامتها ما هي إلا للمجاملة والتخلص من جمر الدموع التي كانت تسح بين الحين والأخر من عينيها ...كان كل همي أن اخفف من حرقة الحزن الساكن فيها ... ولهيب الدموع التي تحجرت في تلك العيون .
وكنت أتسأل بيني وبين نفسي هل أنا بحاجة لمزيد من الحزن والقلق ؟ فأنا أبحث عمن يخفف من النيران المشتعلة بداخلي ابحث عمن يمسح دموع القلب ويخفف من وجع الروح المتعبة ، ولكن التمتع بالجمال له الضريبة التي يستحق.
وصلنا العقبة .
أنزلنا حقائبنا وهبطنا لننتظر الحافلة التي ستوصلنا إلى نويبع ... لحظات قليلة وجاءت الحافلة وصعدنا إليها سارت بنا فترة قصيرة لا تتعدى ال عشر دقائق ثم هبطنا ... أخذت جواز سفرها وحملت ابنها وذهبت لختم الجوازات ... وفعلا تم هذا ...ودخلنا إلى الباخرة .
اتخذنا أماكننا في جوفها حتى أطلقت صافرتها معلنة الرحيل عن الشاطىء الذهبي ، وراحت تشق صدر البحر ... تبعثر مياهه ... قلت لها ... سأبحث عن مكان مكشوف أستطيع من خلاله رؤية البحر ... انتظر قليلا ... سأدخل أيمن إلى الحجرة وأعود ... آآآه لو أخذتني معها لتلك الحجرة التي ستكون بالتأكيد من حجرات الجنة ... قليلا من الوقت وعادت وقد بدلت ملابسها ... آآآه أي قمر يطل على عيوني ... كم تمنيت لو كنت ذلك الشال الذي يغطي الليل المنسدل على كتفيها ... آآآه لو كنت ذلك الثوب الذي يدثر بستان الكرمة المزروع في جسدها ....أي شيطان هذا الذي يسكنني ويثيرني ويجعلني أعري كل ما تسقط عليه عيني ... عيني التي لم تترك شيئاً إلا واقتنصته ... وأي جبن هذا الذي يسيطر علي فيبعدني بقدر الشهوة التي تسكنني ... أي أنثى هذه التي تقترب مني ... هل هي فاطمة بحق ؟... وصلنا إلى شرفة الباخرة وقالت انظر إلى البحر وتأمل قلبه الكبير وكم يحتوي من الكائنات وكيف يتعامل معها أي حنان الذي يعمره ...؟ أي حب هذا الذي يسكن قلبه ...؟ نظرت إليها وردد القلب ... أي بحر انظر إليه وأنت معي ... أي موسيقى اسمعها وصوتك يرن بداخلي فيسرقني من الدنيا ... وأي حب هذا الذي تتحدثين عنه وأنت الذي بعثت في شيطاني الحياة وأنا الذي قتلته في بداية الرحلة ... ما بك ترتعش قالت ...؟ ومالي لا ارتعش وبجانبي معنى الأنوثة وعنوان الرقة أناجي نفسي ... اشعر بشيء من الخوف قلت لها ... من ماذا ؟ لأني أخشى أن أكون طعاماً للأسماك ... قلت ... أليس أفضل من أن تكون طعاماً للدود ... اقشعر بدني ... ورحت أتسأل من أين جاءت بهذه الفلسفة ...؟ أتراها فلسفة الحزن ... انظر إليها من جديد أرى الدموع تنساب من عينيها وهي تنظر إلى البحر ... أمد يدي وأعيدها ...رغبة جامحة بأن أتطهر بمسح دموعها وملامسة تلك الوجنة ، ولكني كنت أتراجع عندما تنظر إلي او عندما تقترب يدي من ملامستها خوفاً وخجلاً .
لا ادري كيف مرت الساعات ... لم اشعر بنفسي إلا ونحن في السويس ... لم يقطع جلستنا في الخارج إلا مواعيد الطعام ... او طلب المشروبات الساخنة او الباردة .
في السويس ودعتها ... فقالت لوتس أود أن أخبرك بشيء كنت أود لو فعلته بل كنت أتمنى أن تفعله لأشعر بحنان الأخ الذي افتقده .. لأحس بالعطف والأمان .... فأنا لا إخوة لي إلا ذلك الذي سرقته مني الغربة ورحلة الكفاح والثورة على الفقر والجوع .
ما هو ؟ وأنا افعله الآن مهما كان ... قالت كنت تمد يدك لتمسح دموعي وكنت تتراجع !! آآآه لأني كنت أخشى أن أفهم خطاءً فأخسرك للأبد وأنا لا ارغب بذلك .. قالت لا والله أنا دائما أتعامل مع الأشياء بنية حسنة إلا إذا ثبت العكس او كان إحساسي ينبئني بسوء نية المقابل ... آآآه لو تعلم نيتي .... آآآه لو تعلم عن شيطاني بماذا يوحي إلي ... لو تدري بماذا أفكر الآن ... ولكن كيف تظهر الطيبة على ملامحي رغم نيران الشيطان التي تشتعل بداخلي .
صافحتها ... قبلت يدها ... وإذا بمحمد سليمان يقترب مني وهو يقول " أنت هنا وأنا بدور عليك يا لله بينا ". غادرنا ميناء السويس ... ما زال البحر يواجهني ... ولكني هذه المرة على اليابسة ... أهذا الذي كنت قبل قليل امتطي صهوته ... هذا الذي يفصل بين حاضرة الأنباط وبين ارض النضال والتضحية أهذا الذي وصفته فاطمة بصاحب الحب الأسطوري ... الآن تأكدت من ذلك وأنا أرى الأمواج تركض خلف بعضها البعض حتى الشاطيء فتتكسر هناك لتعاود الكرة المرة تلو المرة . يا إلهي ما أجمل هذا الكبير ... أهذا هو الماء الذي حمل عرش الرحمن ذات وقت ... أهذا هو الذي كان منه كل شيء حي ... أهذا هو الطاهر دائما ولا يدنس ... أهذا الذي كانت الباخرة التي أقلتنا قد أعملت مشرطها في صدره ... يا لاحتمال البحر وصبره ... آه ما أعظم الحب الذي يسكنه ويعمر قلبه ... أليس هو الذي عبرت فاطمة عن حبها له وإعجابها بقدرته على العطاء وتمنت على البشر أن يتحلوا بما يتحلى به .
وما أن توسطنا مدينة السويس حتى برقت الذاكرة وراحت تسح أمطارها ... إنها المدينة التي أصرت أن تأخذ بثأر أبنائها ... وان لا يذهب دم شهدائها الذين زاد تعدادهم عن ماية وعشرون ألف شهيد من مصر الكنانة ارتقوا سلم الخلود وهم يحفرون قناتها ... إنها المدينة التي وقفت في وجه التحدي الظالم والعدوان الثلاثي الغاشم الذي شنته انجلترا وفرنسا وإسرائيل في العام 1956 . وتذكرت حديث أبي ذات ليلة كيف قام الأهالي بصد العدوان الذي شنته قوى الظلم والطغيان على مصر التي كان يقودها الزعيم العربي المناضل الراحل جمال عبد الناصر لتثنيها عن قرارها الجريء بتأميم القناة ، قال أبي وهو يسترجع تلك الأيام يابني في ذلك العام لم يقاتل الجيش المصري لوحده ... بل انتفض الشعب وثارت المدينة على قوى الاستبداد والاستعمار شيبها وشبابها ... نسائها وأطفالها كانوا يقاتلون ... بالعصي والحجارة كانوا يقاتلون ... كانوا يقفون وراء الزعيم الخالد عبد الناصر وكان النصر حليفهم ... وكان لإرادتهم أن تنتصر وخاب العدوان وعاد يجر أذيال الخيبة والخسران .
في هذه المعركة تجلت النخوة العربية من خلال الفتى البطل ..القومي الهوى السوري الهوية جون جمال والذي غاص بطائرته في محرك إحدى حاملات الطائرات .
أي شعب هذا الذي يقاتل بإيمانه ولاشيء غير الإيمان وينتصر ، الم تسمع يابني بقوله تعالى " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " إنها الأرض عندما تثور .. انه الإنسان عندما تتحرك فيه الكرامة ويحرضه الكبرياء .
إلى أين نحن ذاهبون أبا سليمان ...؟ إلى القاهرة لوتس ... سنصلها في حوالي الثامنة مساءً ... آآآه يا أبا سليمان كم أنا متعب ... إلى اقرب فندق أنزلني ... أريد أن القي بجثتي وأنام " ليه الندالة دي " ما بك يا أبو سليمان ؟ بيت أخيك موجود وتذهب إلى الفندق ... أي بداوة هذه التي تتحدث عنها يا ايها اللوتس ودوماً تفاخر بها ... أهكذا علمتك بداوتك ؟!!!... أبو سليمان أنا لا اقصد أبدا ما فهمته ولكن ..."لكن ايه" ؟ لاشيء مما تقول سيحدث ... فكما تقولون في الأردن وهي أهم ما تعلمته عندكم أن الضيف إن اقبل أمير وإن جلس أسير وإن رحل شاعر .. وأنت الآن أسيري ... نشعل سجائرنا والسيارة تبتلع الطريق لا أكاد لا أرى الطريق من هول السرعة ولم أكن انظر لشيء او أفكر بشيء إلا باللحظة التي أصبح فيها ضيف الفراش وأسير النوم ... في حوالي السابعة والنصف او أكثر بقليل وصلنا القاهرة ... يا الهي الشوارع تزدحم بالمارة والمركبات ... الأنوار تسطع في قاهرة المعز ... اردد في نفسي من أين جاء كل هؤلاء ... أي مدينة تتسع لهم ... إن كان المشاة بهذه الكثرة ووسائط النقل بهذا الكم إذا بالتأكيد البيوت خالية من ساكنيها .
كل القاهرة او كل مصر الآن في الشارع ... كنت اشعر بالسيارة عندما وصلنا إلى القاهرة تسير بتثاقل عجوز هرم فهي لا تكاد تتحرك .
لفت انتباهي أثناء سيرنا سوق كبير يدعوك للدخول .. لا بل يجبرك على الدخول إنارته الملونة تغريك بزيارته طلبت من أبي سليمان التوقف لندخل إلى ذلك السوق ... ثارت دهشتي واستيقظت بداخلي الأسئلة ... أهذا سوق أم تجمع سكاني ... أم انه معرض للجمال والفتنة المصرية ... اعتقد بأن جميلات مصر كلهن هنا الآن ... آآآه ما أسعدني ... ولكن أنا متعب جدا فكيف سنجتاز هذا الزحام ...؟ كيف سنجتاز هذه الجموع البشرية ؟... وكنت أتوقع بأن هذا العالم ينتظرون الدور لإنجاز مهامهم ... ودخلنا السوق حتى وصلنا محل طرز بعبارة الركن الهادي للزهور ... قابلنا بكل الترحاب طلبت منه أن يجهز لي باقة من الورد ... وما هي إلا دقائق حتى كان ما طلبت جاهزاً... خرجنا بعد أن ابتعت شيء من الحلويات وبعض الهدايا العينية ... خرجنا من السوق وأنا أتصبب عرقا وكنت أظن أني نسيت عيوني بداخله زدت تعبا على تعبي من جراء الدخول للسوق .
عاودنا انطلاقنا .. الزحام يزداد ... وحركة السيارات ترهق الشارع ... المسافة من القاهرة إلى بيته استغرقت ما يقارب الساعة من الزمن ... وصلنا إلى بيته ... دخل أمامي وهو يردد أهلا وسهلا ... تفضل أبا صخر ... جلسنا في صالة الاستقبال ... أتأملها ... هل هذا بيت محمد سليمان .. انه بيت برجوازي ... استأذن مني ... غاب قليلا وقال أبو صخر تفضل الحمام جاهز ... ذبت خجلا ولم ادر كيف أرد عليه ولكني طاوعته ... دخلت الحمام ... خلعت ملابسي ... أدندن وأنا اغرق في الحوض والماء الدفيء يغطي هذا الجسد المتعب ... كنت أحسه يسحب خيوط النعاس من فوق جفوني ويغرز في جسدي أشياء لم اعرف كنهها .
خرجت من الحمام واتجهت إلى الصالة ... اشعر بانتعاش غريب ... أين الإرهاق الذي كان يمتلكني ؟ أين ذهبت رغبتي بالنوم ...؟ صوت مخملي يخترق سمعي ويستقر في القلب .. أبو سليمان العشاء جاهز ، تفضل يا أبا صخر ... رافقته وجلسنا إلى المائدة ... أتذكر بيتي كيف كنت اجلس على الأرض وأمامي مائدتي ... الآن أنا اجلس على طاولة وأمامي الشوكة والسكين ... لن أحرج نفسي ولن استعملها .. لن اقترب من الصنف الذي يحتاجها ... جلست زوجته برفقتنا وراحت تسكب الطعام في الأطباق ، انظر إلى صاحبة الوجه البهي والشعر الذهبي السابح فوق الأكتاف ... والعيون السوداء الجريئة ... اشعر بشيء من الخجل وأنا انظر إلى زوجته لأنه ليس من اللائق ذلك ... أحاول غض طرفي ... ولكن ما أن يفوح عبير صوتها واسمع دندنته حتى تفر اليها العيون ، كان أبو سليمان يتحدث لزوجته عن الأردن وطيبة أهله وكرمه ...!! اسخر من نفسي ... أي كرم وأي طيبة والذي تفعله أنت ماذا يسمى .؟
بعد العشاء احضر العصير الطازج ... آآآه كم هو شهي .. متأكد أنا من أن شدة حلاوته ولذة مذاقه هذه ما كانت لتكون لو أن أم سليمان لم تخلطه برضابها ... بعد أن تناولت العصير شعرت بالحاجة الشديدة للراحة فاستأذنت منه بالنوم ...فقادني إلى الطابق العلوي ... أوصلني للغرفة التي خصصت لنومي ... كانت جاهزة ... فأنا لا احتاج للخروج منها حتى لقضاء الحاجة ... بدلت ملابسي ... أشعلت التلفاز وإذا بفريد الأطرش يصدح على الشاشة " بساط الريح قاوم يا جميل .. أنا مشتاق لوادي النيل ... أنا لفيت كتير ولقيت البعد علي يا مصر طويل " هذا الفنان العربي السوري يتغنى بمصر ويتباهى بعشقها ... وأنا الآن فيها ماذا سيكون مني وأنا لا املك صوته او موهبته .. النعاس يداعب جفوني ... وأصوات ملائكية تخترق سمعي " عندنا ضيف .. نعم .. عندنا ضيف من الأردن ... وماله يا بنتي بكره نشوفه ونسمعه " أحاول النوم ... هذه الأصوات سرقته من عيوني ... من أين تأتي ؟ ولمن هي وكيف عرفت بقدومي ؟ أشعل سيجارة ما قبل النوم كعادتي ... أطفيء المصباح أغمض عيوني ... ولا ادري كم من الوقت استغرقت حتى غرقت في بحر الأحلام .
لم أكد أغفو حتى أيقظني أبو سليمان بقوله أبو صخر ... الفطار جاهز ... دقائق فقط ... نهضت من السرير لأني مشتاق لمصر ... لأم الدنيا ... لا ارغب بإضاعة أي وقت فالأيام تمر سريعاً ولا بد لكل رحلة من نقطة تنتهي عندها ليعود كل شيء كما كان ... اغتسلت ... حلقت ذقني ... تعطرت ...وخرجت إليهم ... اصعق ... أي حوريات هذه التي تحيط بالمائدة ... ؟أي ورود جلبها أبو سليمان حتى يحرض شهيتي على الطعام ... ؟ أي بشر ... من أي طين خلقت ...؟ حاشا لله ما هؤلاء إلا ملائكة كرام ، جلست إلى المائدة ... أشعلت سيجارتي ... نظر إليّ أبو سليمان قال ما هذا يا لوتس ؟ ماذا ؟ لماذا تشعل سيجارتك قبل الإفطار ؟ تعرف بأني في هذا الوقت اكتفي بالشاي والسجاير ؟ هنا ستتغير هذه العادة ، ممنوع التدخين قبل الإفطار ، مفهوم .. حسنا ولكن المرة القادمة ، عفوا نسيت قبل أن اجلس إليهم عرفني بابنتيه وشقيقته ، سحر ابنته الكبرى والصغرى عبير ورندا شقيقته ، قالت سحر وهي تضحك " أنت حر تاكل ما تكلش والنبي ما أنا قايمة" طيب أنا سأتناول طعام الإفطار عندا بك " انظر إليهن ، آه من عيون سحر إذا ما ابتسمت نطقت شعراً ... نظراتها تصبح غناءً ... وإذا ما أقطبت حاجبيها راحت ترمي الناظر إليها بحجارة من سجيل تجعل القريب منها كعصف مأكول.
آآآه من وجنات عبير حقيقة كالورد في أول تفتحه ... إنها تفوح عطراً ... آآآه من رندا واسم رندا وما تعنيه رندا . !
وهنا تقطع سحر بوح الروح وتستأذن بسؤال ... تفضلي ( ازاي اسمك لوتس وبابا بيناديك ابو صخر) ازاي تجتمع الرقة بالقسوة ... فينطلق اللسان بالرد المختصر ... لا بد لكل شيء من قوة تحميه وليس اقوى من الصخر لحماية الزهر .
ياااااه دي فلسفة بقى تقولها وتعاود النظر بطبق الطعام .
تشتعل اللهفة بداخلي وينتابني الارتعاش ترتبك الروح وتلفني الدهشة وتحتل فكري الحيرة ويسكنني الانبهار ، ما الذي أصابني وأنا ادخل بيت محمد سليمان الواقع في احد أحياء القاهرة القديمة ... ظلم أن تكون سكنى هذه الملائكة غير الجنة او مكان لا يصل إليهن فيه إلا من يمتلك كل مقومات الإنسانية والطهارة ، لم كل هذا الارتعاش الذي أصابني وأنا انظر في عيون سحر ؟ وأتأمل ابتسامة عبير ... إلى أين يأخذني غنج رندا وأنا أتطلع لجسدها الممشوق كعود خيزران ؟ هذه الملائكة التي ترتدي زياً بشرياً يسرق الناظر إليه إلى عوالم من الدهشة والانبهار وكأنهن الربيع في أوج تفتحه ... او الحوريات اللاتي هبطن من جنائن الله إلى هذا البيت الذي يحتضنني ليخطفني لعالم الخيال والأحلام ... كيف سأكلمهن ... وبأي المشاعر أتعامل معهن ... هل لبدويتي وتربية أمي أن تنتصر على شيطاني أم ستكون له الكلمة الفصل ... هل سأتبع وسوسة هذا الملعون الذي يحتلني ... أم سأكون على قدر الكرم الذي عوملت به وأكن أكثر وفاءً ... شيء يهمس بداخلي إنها مشاعر الوهلة الأولى والنظرة الأولى ... بعد قليل سيكون كل شيء طبيعي وستضحك كثيراً من هذه الحماقات ... أتمنى .
عيوني تقودني إلى تلك الكروم التي بدأت ناضجة في صدري سحر الرائعة ورندا الفاتنة وبدأت بالتفتح عند عبير ... هذه القطوف الدانية في كروم رندا وسحر بدأت تأتي أوكلها ... آآآه من سيكون صاحبها ؟... آه لو أني لم املك بستانا من الشوك ... بالتأكيد لكنت صاحب إحدى هذه الكروم ... يجب أن أغادر هذا البيت بأسرع وقت ممكن لأنني لا أستطيع احتمال هذا الجمال الإلهي ... وهذا الغنج الشهي .
يقطع فيض خواطري وهطول أمطار الخيال أبو سليمان ... إلى أين تود الذهاب ... ارغب بالتعرف على هذه المنطقة أولا ومنها ننطلق ، نحن الآن في واحد من أقدم أحياء القاهرة القديمة واجملها... نحن في السيدة زينب رضي الله عنها .. أتلفت يمنة ويسرة ... المكان مكتظ بالبشر ... النسوة يذرعن الطريق جيئة وذهابا ... هنا الحرائر الفرعونيات او المصريات العربيات يجلسن في الشارع كل واحدة تعرض نوعا من البضاعة التي كانت في اغلبها من الخضار والحشائش ... والغاديات والعائدات لا ينقطعن ... العطر يفوح من كل مكان ... يتمايلن كغزلان تمشي على مهل ... الشالات تغطي نصف الرأس ... أنواع وموديلات من الألبسة ... تشعر وأنت تسير في الشارع بأنك تسير في معرض كبير فيه كل ما يخطر بالبال .
آه من دلع الحوريات .. وغنج الصبايا ... آآه من سحر النساء وفيض الأنوثة وسحر الدلال ... هكذا هن فتيات مصر الرائعات يجدن اللعب على تلك الحبال ... وكأنهن خلقن ليكن بداية الطريق نحو الخلود أما في جنة عرضها السماوات والأرض او في جحيم لا تبقي ولا تذر ... يخفق القلب بسرعة ... العيون لا تكاد تستقر على جهة معينة ... فالروائح المغرية تفوح من كل الجهات ... بالتأكيد أنا لست على الأرض آه من تعب الذاكرة ... ما هو مقدار احتمالها لتخزن كل ما ترى ... وان خزنته هل تستطيع إخراجه .
زقاق أخر في حي السيدة زينب ... زقاق تجاري ... النسوة يجلسن على الأرض يجبرنك على التعامل معهن ويجبرنك على الشراء إذا ما توقفت عند إحداهن ... هذه تبيع الخضار .. وتلك تنادي على ما تملكه من أعشاب ... وأخرى تقف خلف بسطة تبيع بها الكبدة والكشري ... هناك يقف بائع الفول ... انه التعدد الحقيقي ... كل منهم يعرف حدوده ... هنا من حق المرأة أن تطالب بالمساواة ... فهي شريكة الرجل في كل شيء ، في العمل وبناء الأسرة حتى المهر والمصروف اليومي ... وفوق كل ذلك تجد معظمهن من المثقفات .... نعم فلهن أن يسترددن حقهن من الحياة ، لأنها الشريكة فيها ومكملة دورتها .
أبو سليمان أريد أن ازور مسجد السيدة زينب ... آه لو صبرت قليلا قال لي .. لماذا ؟ لأننا بالقرب منه ... ولكن لماذا سمي باسم السيدة زينب وهل هي ابنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أم زوجته ..؟ يقال بأنه قبر السيدة زينب بنت الحسن بن علي رضيى الله عنه ولا ادري مدى صحة هذه المقولة ... وهل قبرها هنا ؟ لا ادري .. ولكن لا أظن ذلك ... نقترب من المسجد أكثر ... بنائه البهي والذي تظهر عليه ملامح القدم يلفت الانتباه ... هناك في إحدى الزوايا شبك حديدي فيه ضريح مغطى بالقماش الأخضر ...وشيء يثير الدهشة والاستغراب ... نسوة ورجالا يلتفون حول الشبك ... يتعلقون به ... ينادون أم الأيتام ويدعونها... هذه تطلب منها إزالة غمتها ... وهذه تدعوها لتساعدها على الإنجاب ... وأخر يتوسل إليها وهو يبكي أن تشفي صغيره ...!! ما هذا الذي أرى يا أبا سليمان ؟ بالتأكيد هو الشرك الأعظم بعينه ... مهما بلغت عظمة هذه السيدة لا يجوز لنا أن ندعوها ... ولكن هناك رب لها ولنا يحب أن نتجه إليه بدعائنا ، ادخل المسجد ... اصلي فيه ركعتين لله تعالى اتجه للشيخ لأسأله بعصبية ما هذا التخلف والجهل الذي يعاني منه الناس هنا ... ماذا يفعل هؤلاء الواقفون حول الضريح ... إلا تعلم بأنهم يقعون في فخ الإشراك وهم لا يعلمون ... يا أخي هؤلاء الناس مؤمنون حتى النخاع ... لا يشركون بالله شيئا ، ماذا تسمي دعائهم للسيدة زينب رضوان الله عليها ؟ هم لا يدعونها .. وإنما يدعون الله تعالى من مكانها الطاهر ، لا يا سيدي هم يقولون يا أم الأيتام أزيلي غمتنا ... يا أم الفقراء ساعديني بشفاء ولدي ...هذا هو الشرك وانتم عنه مسئولون !! أين توجيهاتكم .. أين إرشادكم ونصائحكم بأن لا السيدة زينب ولا حتى الأنبياء يغنون من الله شيئا ... حتى الرسل صلوات الله عليهم لا يجوز دعائهم او الدعاء بواسطتهم .
هؤلاء تنطبق عليهم الآية الكريمة ( وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) .
أنا في القاهرة .. قاهرة المعز لدين الله الفاطمي ... أنا في الفسطاط.. أنا في ارض الفراعنة ... أنا في البلاد التي هاجر منها نبي بني إسرائيل قاتلاً لبلادي ليعود إليها بعد سنوات ثمان إليها نبيا ورسولا ... على هذه الأرض تلقفت عصا موسى أفاعي السحرة وأبطلت كيدهم وهنا أخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء ... هنا ولد موسى .. وهنا تبنته حتشبسوت ... من هنا طرد بني إسرائيل ... وهنا تحالفت مصر الفرعونية مع مملكة الأنباط العربية ... هنا التاريخ لثغ حروفه الأولى وانطلق إلى الدنيا .
على الثرى المصري بنى الاسكندر الأكبر مدينته الإسكندرية التي تحتضن البحر المتوسط وبني منارته الشهيرة والتي تعتبر واحدة من عجائب الدنيا السبع ، هنا وعلى بعد بضع عشرات من الكيلومترات وفي الجيزة تحديدا قامت الأهرامات ووقف أبو الهول حارسا للتاريخ وحاميا للفراعنة عبر الزمان .
هنا تآلفت روح كليوبترا بروح حبيبها يوليوس قيصر ملك روما ... على هذه الأرض ولدت جميلة الجميلات نفرتيتي .. وهنا كان زواجها من أول الموحدين من الفراعنة وهنا ولد "توت عنخمون "على هذا التراب تلقفت زليخة نبي الله يوسف وراودته عن نفسها وهنا صويحبتها قطعن أيدهن ... إلي هذه الأرض حضرت الكواكب وهنا تمردت أسيا على الفرعون وأعلنت إيمانها .. وقدمت الماشطة أبنائها ونفسها في سبيل إيمانها لتقدم لكل من أتى بعدها وسيأتي درساً في الصمود .
أي ارض هذه التي أنا في رحابها وآي ذاكرة تستطيع أن تحتويها .انتقلنا بعد ذلك إلى حي الحسين ... وأيضا كررت فعلتي الأولى ... بناء المسجد أكثر هيبة من مسجد السيدة زينب ومساحته أفسح وزواره هييء إلي بأنهم أكثر يقفون على الساتر الحديدي يتشبثون به يلقون السلام على صاحب الضريح يدعونه وهم يبكون يقفون على عتباته وهم خاشعون ... انظر للشيخ بعين يملئها الغضب ... وقلب حائر من سذاجة هؤلاء الناس ... وسكوت أهل العلم عما يحدث حولهم وكأنهم يقرونه ... يكفرون المؤمنين .. ويسكتون عن الكفر الحقيقي ... الطقوس التي تمارس في السيدة زينب هي عينها التي تمارس في مسجد الحسين ... يقترب مني سماحة الشيخ ويحدثني باللغة الفصحى التي تظهر واضحة بها اللكنة المصرية ... لماذا تنظر إلي هكذا ؟. ... لأني استغرب سكوتكم عن الكفر والشرك ... وعدم توجيهكم لهؤلاء الساذجين بأن هذه الأفعال لا تجوز وإنهم آثمون عليها ... إنهم يرتكبون الكبيرة التي لا تغفر ، لا يا عزيزي إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، إذا هل يجوز لي أن اشتم الذات الإلهية بنية سب الشيء اعتراف به ... ؟ لا أنت بهذا تخرج من الملة لأنه لا يتبع الشتيمة نية حسنة ، لماذا يا سيدي فأنا عندما اشتم أبيك مثلاً فإنني اعترف بوضوح وصراحة مني انه يوجد لك أبا معروفا ، أي نقاش هذا الذي تقول فيه ... أنت كافر وشيوعي ملحد ... أنت الآن تدنس المكان الطاهر لوقوفك فيه ... هل أشركت بالله مثلما يفعل هؤلاء ... عفوا ليس هم من أشركوا بل انتم يا من تنصبون أنفسكم أوصياء على دين الله تهبون من تشاءون شهادة الدخول إليه وتحرمون من تشاءون ... باسم الدين... آآه لو كنت ولياً للأمر ... ماذا كنت ستفعل ؟ . خرجت من المسجد وأنا العن اللحظة التي حادثت بها هذا المدعي والذي يصلي الناس من خلفه ويقتدون بما يقول ، عندما خرجت سألني أبو سليمان ما بي .. فأخبرته بما حدث .. يا أخي لا تجادل فهم إخوانيون ويعلمون ما لا نعلم ... لا يا عزيزي إنهم يأخذون من الدين اسمه والعمامة وإطلاق اللحى فقط ويستغلون الدين العظيم والقرآن الكريم وبعض الأحاديث لتمرير مصالحهم ، أي دين هذا الذي يعتنقون ...؟ أليس هذا الذي يحدث في الجزائر ومصر وبلاد الأفغان منهم ؟ يمكن قالها وهو متردد ، لا يا أخي منهم فهذه الجماعات التي أسسها حسن البنا على أساس تكفيري بحت ومن بعده جاء سيد قطب الذي كفر المسلمين كافة الأئمة والمأمومين ، والنبي عليه السلام نهى عن تكفير المؤمن ما لم يثبت بالدليل انه كفر كأن يعلن عن كفره بالقول والفعل .
من هناك نعود إلى البيت وقد شارفت الشمس على الرحيل ... لأننا سنقوم بجولة أخرى ليلية ولكن أين؟ لم تحدد بعد .. بعد أن وصلنا بقليل حضرت الساحرة سحر لتوقظ الشيطان المختبئ بداخلي وقالت " ما بدري يا بابا متنا م الجوع وحضرة الست ماما رفضت أنا ناكل قبل ما تيجو"(أخوك لوتس راح السيدة زينب وسيدنا الحسين وتخانق مع أئمة المسجدين ، ليه يا بابا؟ اسأليه .. ليه يا آبيه ؟" لا لشيء لم نتشاجر وإنما تجادلنا ( وما لقيتش تجادل إلا دول ؟) على كل حال كده كويس نوفر وجبة ما إحنا كده مش ح نتعشى " صوت أم سليمان يأتي من الداخل عبير نادي أختك وتعالي نحضر ألغدا تسير سحر وقلبي يسير بأثر خطوها وهي تردد غدا إيه اللي أنت جاييه تقولي عليه " لحظات وكنا نحيط بالمائدة ... وبدون مقدمات قلت عندما جلست أنا لن استخدم الشوكة والسكين .. ليه يابني قالت رندا ... لأني لا اعرف .. نعلمك .. لا أريد التعلم ، طيب زي ما أنت عاوز بس إحنا ح ناكل بيهم " لكن لن تجدي ما تأكليه لان تناول الطعام باليد أسرع وألذ .
تناولنا العشاء وأحضرت القهوة ... آه كم هي رائعة من يدي الصغيرة عبير... بعد احتساء القهوة قال أبو سليمان سنذهب إلى السينما اليوم افتتاح فيلم ( ) والتذاكر موجودة من يومين هيا يا بنات اجهزوا بسرعة وأنت يا أم سليمان وأنت يا لوتس وهنا يثور السؤال في النفس هو من يأخذ ابنته إلى السينما أي أناس هؤلاء وكيف يتعاملون مع أبنائهم وبناتهم .
كان الفيلم في أول أيام عرضه .. ياه كم العدد القادم لحضوره ... أبطاله نجوم ولكنهم ما زالوا في بداية الطريق ... كان الفنان المتألق احمد السقا والفنانة الناعمة منى زكي هم أبطال العمل وكانوا في مقدمة الحضور ... دخلنا إلى السينما التي تكتظ بالبشر من الجنسين ... جلس أبو سليمان إلى جانب زوجته وكانت لجانبي الشقية عبير ... هذه المراهقة التي لا تدع شيئا يمر دون سؤال او استفسار او تعليق كثيرة الحركة والضحك بس يا عبير عاوزين نسمع الفيلم "طيب خرسنا " قالتها وهي تضحك .. ساعتان من الصمت الذي ساد المكان ولم يكن يخترقه شيء .
انتهى الفيلم وخرجنا وتصادفنا على الباب مع الفنانين الحاضرين دار نقاش بسيط شعرت من خلاله بأنهما فارغين ثقافيا ... فنجوميتهم لم تمنحهم شيئاً وهذا اثبت أن الفنان لا يستفيد مما يقدم إلا الحفظ الذي ينساه بعد أن ينهي التصوير.
ركبنا السيارة وسألني أبو سليمان إلى أين تريد الذهاب غداً ... إلى الأزهر والحلمية وبعدها الأهرامات .
غداً عطلتي وسأكون معكم قالت سحر ... ردت رندا لا سنكون كلنا في هذه الرحلة ... يا فرحتي بالنجوم التي ستضيء قلبي ودربي غداً ... آه أيها الغد بالله عليك لا تتأخر، وعندما وصلنا إلى البيت سهرنا سويا ولأول مرة أتجرأ واطلب القهوة فركضت عبير إلى المطبخ غابت قليلا وعادت بالقهوة بقيت سهرتنا تدور حول رحلت اليوم ومجادلة الشيوخ والفنان الذي لا تمنحه نجوميته شيئا بل لا يستطيع الاستمرار في دربها أن لم يثقف نفسه ويشتغل عليها ... غادرت سحر لدقائق وعادت ومعها ورق اللعب وقالت سأغلب من الآن بابا ولا آبيه لوتس ... شعرت بالفرح وهي تناديني بأخيها من الممكن أن سر فرحي هو أني سأقترب منها أكثر سأتأملها أكثر ، قلت وماذا تلعبين قالت الكومي ... والمغلوب قلت ... يركض إلى المطبخ شاي .. قهوة .. عصير ، وشروط الفوز .. قالت نلعب ثلاث مرات من يفوز مرتين هو الفائز وافقت على ذلك وكان كل أملي أن أفوز لأتذوق قهوتها ... والعصير المحلى برضابها أي أخ فاسد أنا ؟... ملعونة هي أفكاري ... وملعونة هي نفسي التي تبدو في غاية الرخص عندما تلتقي بامرأة ... لعبنا وغلبتني ... آآآه من إحراجي وخجلي ... هل تعرف طريق المطبخ قالت وأبو سليمان يضحك ...لا .. سأدلك عليه قالت رندا اغلبي أبيك عشان بكره يكون دوره وأنا سأذهب مع لوتس.. الآن يا فرحتي بالغلب... لما لا استقر على واحدة أتعامل معها امنحها اهتمامي وادع الأخريات ولكن أنا كنت بعكس ذلك أينما رأيت الجمال اضطربت وفرحت وتمنيته وتعاملت معه على أساس ما أتمنى .
ذهبنا إلى المطبخ رندا وعبير وأنا تم تجهيز الشاي وبعده القهوة وأخيراً كان العصير آآآه كم أنا سعيد .. هل يوجد في الكون مثل هذا التعامل ... ابحث عن نفسي فأجدها مكبلة بقيود شيطاني ودوما ما ينقذني هو بدويتي ... كل ما يحدث مني فقط بيني وبين نفسي الملعونة ... الحمد لله دوما تنتصر بدويتي وتربية أهلي ، في حوالي الثانية صباحا استأذنت وصعدت لغرفتي ... بدلت ملابسي واستلقيت على سريري ومن فرط نشوتي وسعادتي لا ادري كيف غصت في بحر النوم .
كانت الساعة حوالي العاشرة عندما قرع الباب ... نهضت من سريري وأنا اشعر بنشاط يكفي الكون ... اتجهت إلى الباب ... فتحته وإذا بهن الوردات الثلاث ... " لسه نايم ... لا أنا صاحي من الصبح ... باين على شكلك انك صاحي ... يا الله مفيش نوم .." دقائق والحق بكن ... آه ما أجمل صباحي وما أبهاه ... وكيف لا يكون هذا الصباح جميلا وأنا افتح عيوني على النور الملائكي ... وأصوات العنادل تداعب قلبي قبل سمعي ... استيقظ شيطاني ... آه ما اسعد من كانت من نصيبه إحداهن ... وبالرغم من استعاذتي بالله منه إلا انه ظل يوسوس بداخلي يعزف على وتر الرقة والجمال لأنه يعرف بالتأكيد انه ضعفي ... اغتسل وارتدي ملابسي ، واهبط السلم وأنا أدندن جانا الهوى جانا ، اجلس إلى المائدة ونتناول الافطار المكون من الفول المصري والفلافل والمربى والبيض المسلوق ، بالنسبة لي تناولت ما أريد قبل أن اهبط إلى الصالة .. شبعت وأنا اشتم أريج السوسن ورائحة الياسمين وهي تفوح من الحديقة التي وقفت ببابي وأيقظتني ... لقيمات تناولتها اتبعتها بسيجارة ... قليل من الوقت ونكون جاهزات للخروج معكم ... ها نحن ننتظر قلت ... ؟ مثلهن لا تحتاج للزينة ... يكفيهن ما وهبهن الكريم من جمال ... فقط يرتدين ملابسهن ويهبطن ... وفعلا حضرن بمكياج خفيف ، ركبنا السيارة ... سقط على ارض الذاكرة صورة لا ادري كيف ... اشتعل القلب شوقاً .. واضطربت المشاعر وقريني المحترم راح يقارن بين الحسان أحاول أن أبعده وأفشل ، اقلب أوراقا بجيبي كنت حصلت على رقم هاتفها ... هاهو .. أرسله إلى جيبة أخرى ليكون منفردا... وهل يعقل أن يختلط بغيره وهي الآن منفردة في القلب والخيال .. وكيف ذلك وأنت مع الحوريات في الجنة الصغيرة .. لا ادري .
كل ما اعلمه أن فاطمة بدموعها بابتسامتها بكلماتها تسيطر على كل مشاعري ... في هذه اللحظة لا أرى سواها ، سأكلمها عندما نعود ... لماذا أيها اللعين أتيت بها في هذا الوقت بالذات ... لتفسد فرحتي وتشعل نيراني ... وتحرمني من التمتع بما هو لدي الآن ... لماذا تزور ذاكرتي في هذا الوقت لماذا وألف لماذا ؟
نزلنا إلى الحلمية وما أدراك ما الحلمية ... وهل هناك أجمل من الحلمية ... الناس بسطاء ... مرحون ... المقاهي كثيرة في هذا الحي الكبير ... صحيح أن الحركة فيه لا تختلف كثيرا عن السيدة او الدقي او غيره من الأحياء ... إلا أن حركة التجارة فيه انشط والامتداد العمراني الحديث وصل إليه بشكل أكثف من باقي الأحياء النساء هنا لا يختلفن كثيراً عنهن في الأحياء ولكنك تشعر براحة غريبة وأنت تتجول فيه نظرات الناس إليك تشعرك بالطمأنينة .. معظم الصبايا يرتدين العباية السوداء " الملاية " ومع ذلك تسمع الرصيف يداعبهن ... يناغي خطوهن ... ويناجي السماء أن لا ترحمه من وطيء أقدامهن، ما لاحظته أن معظم أبناء المناطق الشعبية هم في الأصل من محافظات أخرى تمتد من الصعيد حتى الإسكندرية ... فإما ولد هنا او لجأ إلى هنا في بداية مشواره مع هذه الحياة طلباً للرزق في المحروسة .تجولنا في السوق .. أشياء كثيرة تلفت الانتباه ... محلات النجارة او ما يسمى هناك " الموبيليا " بعضها يصنع بواسطة الآلات الحديثة وبعضه يدوي الصنع من ألفه إلى يائه ... الاسطوات ينتشرون أمام المقاهي وعلى الأرصفة المقابلة او المجاورة لمحلاتهم والمتدرب او ما يسمى الصبي دائما في المحل لا يغادره إلا بوجود المعلم " الاسطة " وبناء على طلبه . من الحلمية انطلقنا إلى خان الخليلي هذا السوق التراثي .. كل أنواع التجارة موجودة فيه ... العطارة ... الشرقيات ...الأعمال اليدوية التي صنعت بمنتهى الدقة والفن ... رائحة مواد العطارة تملأ السوق وتختلط بروائح النساء فيزهو خان الخليلي على غيره انه الحارس على التراث المصري .
من خان الخليلي إلى الأزهر ، وهنا تنشط الذاكرة من جديد .. من هذا الجامع او الجامعة خرج طه حسين والشعراوي وكثير من رموز مصر ومثقفيها وعلمائها ... هذا المكان الصانع للمتناقضات فمن قامات خدمت الإنسان المصري والعربي ودافعت عن حاضر الأمة ومستقبلها إلى قامات في التخريب والإساءة للأمة والدين فهنا تأسست حركة الإخوان المسلمون .. ومن هنا انطلقت أول المجموعات التكفيرية على يد التكفيري الأول حسن ألبنا ومن بعده سيد قطب والتكفيري او أمام التكفيريين سيد كشك .. إلى أن وصلت لهؤلاء الذين لا يردعهم شيء عن تكفير من لا يسير حسب مصالحهم وخدمة لأهدافهم ... وانتشرت هذه الجماعات من مصر إلى معظم دول العالم ... هذه الجماعات التي انبثقت عن جماعة الإخوان المسلمين والتي تنظر إلى من لا يشاركها الرأي ويؤمن بأفكارها او من يحاول مناقشتها ومجادلتها كافراً او مرتدا وجب عليه القصاص ... منها طالت اليد وانتشرت في دول الجوار ... لسانها التكفير وفعلها القتل الذي لا يفرق بين احد خروجا عن قوله تعالي " { من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا }" . نتجول في المسجد العظيم البناء وفنيات الزخرفة فيه والآيات القرآنية تنير جدرانه وتجبرك على الالتفات إليها للدخول إلى المسجد والبقاء فيه .

الجيزة و الأهرامات

نصعد إلى السيارة متجهين إلى الجيزة ... اطلب من أبي سليمان التوقف لتناول شيئاً من المشروبات ...يتوقف عند احد المقاهي ، يهبط أبو سليمان برفقتي بعد أن سألنا كل واحد عما يرغب ... كلهم يرغبون بالعصير باستثنائي وأنا الذي دوماً أتمتع وأنا احتسي القهوة والشاي ...عدنا إلى السيارة التي بدأت تحتسي الطريق بنهم ... تسألني الشقية عبير عما اشرب فقلت إنها القهوة ... قالت هل لي أن أتذوقها .. فناولتها كأس القهوة ... ارتشفت رشفة او اثنتان وإعادتها وهي تقول " ياه دي مرة قوي " نهض الملعون بداخلي وراح يقود عيني لتطوف حول الكأس لعلي أجد اثر شفاهها عليه ... وأخيرا عثر الملعون على الحل اشرب من كل الجهات فبالتأكيد ستتذوق طعم شفاهها الطرية . العن شيطاني والعن نفسي على هذه الأفكار والوساوس ، تناديني الرائعة سحر التفت إليها فتقول ابيه مرة أردني نزل مصر معرفش يطلع " قلت بداخلي آه ما أسعده وهل بغير مصر يجد المتعة والغرق الشهي .
انظر إليها .. أتأمل تلك العيون الضاحكة وتلك الشفاه الباسمة ... آه لو كنت كلمة او حرف فلن اخرج من بين شفاهها ، أتوجه إلى أم سليمان بالكلام اليوم لم اسمع صوتك ... فقالت أنت لم تسمعني .. بالعكس تعبت كثيراً من الحديث ... يا الهي هل غردت بكلماتها .. كيف لم اسمعها ؟
ويرد شيطاني وأصوات الموسيقى وتغريد العنادل يغزو مسمعك . وفجأة إعصار من القلق يخترقني اللسان يتوقف عن الحركة وكأنه تحول إلى قطعة من الخشب ، صوت فاطمة يجتاحني ... صورتها ترتسم أمامي ... اسمعها تناديني .. تعاتبني ... تعاتب الأخ الذي ما أن عثرت عليه حتى فقدته من جديد ... الأخ الذي وعدها على أن يبقى على اتصال دائم معها ها هو ينساها ولم يعد يكترث بالاطمئنان عليها وكيف له ذلك وقد وجد الدنيا الأحلى الدنيا الأجمل ... أين وعدك بأن تتابع إخبارها أينما كنت ومع من كنت ... اسمع الآهات الصادرة من قلبها آه ما أقسى الناس ... آه يا فاطمة كم أنا قلق عليك .. وكم أنا مشتاق إليك ... مشتاق لتلك اليد الرقيقة الدافئة لأن اقبلها ... اشتاق لتلك النظرات الحزينة لكي تلم شتات الروح ... مشتاق لتلك الدموع التي تعبر عن وجعي ... آه يا فاطمة مذ عرفتك وأنا اشعر بأنك تبكين عني وعلي ... أين أنت يا فاطمة .. يا قصيدة الحياة وأغنية القلوب ... يا صدق المشاعر ... كيف الوصول إلى حماك ... اسمع ندائك ولكني اعجز عن الوصول إليك .
أحاول الخروج من عالم فاطمة والعودة من جديد إلى عالم الملائكة ... إلى فتنة الورد التي بصحبتي ... وعملاق الجود الذي يرافقني .. أتأمل تلك الحورية ... لا بل تلك الجنة التي أنبتت هذه الزهور ... أحاول الهروب من تلك الساعات التي قضيناها من عمان إلى السويس ... أحاول الفرار من حديث شجي وابتسامات ارتسمت على شفاهنا وأهديناها للبحر... ولكن كيف وصوتها يعلو بداخلي حتى غيب عني كل الأصوات المحيطة ... أضع رأسي بين كفي وأغيب في الصراخ الذي بات يجتاحني على فترات ... كلما زادت متعتي أشعلني من جديد .. كلما استيقظ الملعون بداخلي زارني صوتها .. جاءني ندائها ليزرع الألم والتساؤلات بداخلي .
أبو صخر .. الحمد لله على السلامة ها قد وصلنا ... لم اشعر بالوقت طال أم قصر اضحك بجنون من فرط سعادتي .. ويخترقني صوت فاطمة من جديد ليبعدني عن الدنيا وأبو سليمان دوما هو المنقذ .
ترجلنا من السيارة .. ساحة كبيرة مكتظة بالبشر .. جنسيات مختلفة وأشكال مختلفة من كل أصقاع الدنيا كلهم جاؤوا يمتعوا أنظارهم بالأثار التي تركه أجداد المصريين ... هل تريد دليلاً سياحياً قالت رندا ...وكيف يمكنني الوصول إليه قلت ... ردت أنا لها ... نتقدم نحو الشموخ ... نحو المجد الخالد ...نتجه نحو تاريخ خلد أصحابه وما زال يقف يحاكي الحاضر ويسخر منه ... إلى جدود يهزئون من أبنائهم الذين ينتمون إلى أجداد سادوا الدنيا تمتعوا بالأمن والاستقرار ... وهم أصبحوا إتباعا لمن ليس لهم من التاريخ أي نصيب ... نسير باتجاه أناس ما استطاع الزمن ونوائبه أن يؤثر فيهم ... او يبعدونهم عن الصدارة وواجهة التاريخ ... ما زالت أرواحهم منذ ألاف السنين تحضر في المكان وتحرسه من صروف الدهر وتحميه من عاديات الأيام .
ندخل الهرم الأول والذي كاد أن يعانق السماء ... آه كم هي عظيمة مهابة المكان ... آآه ما أروع الأيدي التي بنت ونقشت ... يا لهم من فنانين عظام ..ومن علماء أفذاذ .
نتجول في ثنايا المكان ... ورندا تروي التفاصيل لهذا المعبد ... للمثوى الأخير لملوك العزة ... فترة حكم خوفو.. الإنجازات التي تحققت في فترة حكمه ... من خوفو إلى خفرع ومن ثم منقرع .... إلى تلك المقابر ... المعابد ... يا لها من حضارة حرام أن تزول ... آه من ظلم القدر ... كيف لنا أن نرث هذه الحضارة ... كيف ونحن كأمة لا نستحق الانتساب إليهم او حتى حجراً في إحدى هذه المعجزات .
نخرج من تلك الساحة العظيمة بكل ما فيها ... نسير قليلا .. هناك يربض أبو الهول حارسا ... يتأمل القادمين والمغادرين ... يقف شامخا ... من يمر من أمامه لابد له أن يقف أمام عظمته يحدثه ويخضع لما يريد أبو الهول .. يقف مكانه محاولاً أن يمنح أبنائه وأحفاده الصمود ... ويشحذ هممهم ويهبهم العزيمة والإصرار والقدرة على التحدي والعطاء ... عطاء الأقوياء وليس عطاء الأتباع . لا بد للزائر هنا
أن يدهش لا بل يذهل لما يرى من عظمة وإعجاز خالد لا يزول و لا تمحوه الأيام .
سلام عليك%

سلام عليكم دار قوم خالدين سلام عليكم بناة الحضارة ورموزاً رغم انف الأيام باقيين ... سلام عليكم من جيل ما ذاق إلا مرار الهزيمة ... السلام عليكم فاربضوا بأرضكم أن شاء الله أمنيين .... السلام عليكم معجزة التاريخ وسيف الزمن ومعنى الحضارة فناموا هانئين فلا تقلقكم أحوالنا فقد اعتدنا أن نكون أتباعا .... فإذا ما تسيدنا فسنفنى .
أين نحن من عصر انقضى بكل ما فيه وبقي أهله شهود زمن ... كان التحدي شعارهم والبحث عن المعرفة عنوانهم ... كانوا يحلمون باختراق الفضاء والوصول إلى السماء ... تركوا لنا ارثهم ومضوا للخلود على أمل أن نكمل المشوار ... فخذلناهم والسؤال الذي يتردد هل يحق لنا الانتساب لهم .
أثناء سيرك في المكان لا يمكن إلا أن يستفزك التاريخ.. وتتداعى امامك الصور ... هنا سارت كليوبترا ... هنا أصدرت أوامرها للجيش بالاستعداد للدفاع عن الأرض والعرض ، هنا مرت بالعمال وتفقدتهم ؟ ومن هنا خرجت نفرتيتي لتستعرض جمالها وتفتن الألباب ويحول الناظرين لعبيد لهذا الجمال الطاغي ولروعة الأنوثة ... من هنا نهضت حتشبسوت لتنقذ موسى من الغرق ... لتأخذه وتتبناه ... وفي هذا المكان صرخت أسيا " ربي ابن لي قصراً في الجنة ونجني من القوم الكافرين ... هنا ولد أول الموحدين من الفراعنة وهنا قتل .
الساعة الآن التاسعة هيا يا أبو صخر لنعود ... هيا ولكن أبو سليمان أتمنى أن انزل في أول حي السيدة ... لماذا ؟ لا أدري بي شوق لأن اسير فيه ليلاً ولكن هل تستطيع العودة للبيت ... تقاطعه الفاتنات سنكون معه يا أبي ، آآه ما أسعدني ... سأكون برفقة الملائكة لوحدي ، سنيسر في المكان ... سأضحك دون أن أخشى من نظرات أبو سليمان ... أعوذ بالله منك أيها الملعون .. عد لنومك ولا تستيقظ ... وعندما وصلنا أول الحي توقف أبو سليمان وقال هيا قد وصلنا ... لكم أن تترجلوا وتعودوا للبيت سيراُ على الأقدام .
مدهش هذا المنظر .. خيالي هذا الواقع ... أسطورية الحياة هنا .. هل يعقل أن هذا ليل ... وان كان كذلك لم الناس لا تعود للبيوت ... لم خلق النهار ... الشوارع ما زالت مكتظة ... والمقاهي مزدحمة ؟ أين عمان منك ... صحيح أن في عمان سهر ولكن بحدود ...أين المدينة السوداء ... أين الزرقاء ثاني مدن المملكة ببلادي

كتبها الفرسان في 09:19 صباحاً ::
:
أيا صايغ العطر الأبجدي الفاخر
تتناثر من أناملك حروف منغمسة برحيق إبداع منفرد
أيامك و لياليك فوحا شذيا عطرها لا ينضب.........
أبحرت معك في :
حبك للسفر و الطبيعة و الجمال - اختيارك لأرض الكنانة - تجهيزات السفر - مكانة مصر التاريخية السياسية الدينية - لقاء فاطمة الملاك الطاهر الحزين - لحظة الوصول و استقبال مستضيفك - ليل القاهرة أحيائها حواريها - لقاءك باهل بيت مستضيفك روح الالفة و الود و الكرم - زيارة مساجد آل البيت و استنكارك لما رأيت و سمعت من اقوال و أفعال تأباها الفطرة السليمة و مبادرتك بتغيير المنكر بقدر ما استطعت - وفائك لرفيقة دربك من عمان للسويس لأهلك و أحبابك و أصحاب الحقوق...
اغرورقت عيناي في لحظات الوداع و الرحيل
تنسمت بنسيم البحر و تطهرت بالنيل
و اقتبس... مصر فيك اصل المدينة و عراقة البداوة ، مصر موطنا للحب و الجمال و منبتا للوفاء و الصدق و الجود.....
و لكن تعالي هنا .. كيف أبدعت في معرفة دواخل الرجل و تفكيره فسطرتيه هاهنا بابداعك؟؟!
مذكراتك المجنونة في كل مرة تأخذنا من مقاعدنا لنعيش معك رحلاتك ، و ننسجم معها و ننخرط فيها ..
تأكدي بأن لي مرور آخر - بإذن الله -
محبة الـــ حنان
انا بأخد الدور الثانى وسعيد بالتدوينة دى جدا ونازل اصلى وراجع أقرأ وأعلق تحياتى
الفرسان
جمعه مباركه عليك وعلى احبابك اجمعين
رحله موفقه باذن الله دائما
فمصر هى مصر امة التاريخ والعراقه
ورحلتك مشوقه وجميله بكلامك الراقى
تقبل منى كل تقدير واحترام
تحياتى لك دائما
الراقيه الفارســـــــه لوتس صوالحه
مساء الخير والفل والعنبر ...
جمعه مباركه عليكم جميعا ...
سافرت معك عبر الكلمات الجميله عن ارض الكنانه .. علما انني ازورها في الاعياد
دائما .. فعلا كما وصفت وكتبتي اكثر من الروعه وانت استطعت وابدعت في كتابة اجمل الذكريات والاجمل سردك الراقي الجميل كم انت نبيله وراقيه اعشق كتاباتك دائما
نعم ارض الكنانه جميله وفيها من الخير الكثير والعجائب ايضا ..
لك وحدك التفرد ...متميزه جدا لوتس .. ذكرياتك حلوة وجميله جدا
لك كل الحب والاحترام والتقدير ... مبدعه متألقه ..
باقة ورد وتحيه
احترامي وتقديري
غريب الدار
لا حول و لا قوة الا بالله
ما هذا الارهاب الفكري .....ووهبناه النجدين... و جعلنا الله مخيرين ....خالقنا سبحانه
لم يفرض علينا بالقوة و انما جعلنا احرارا فكيف لعباده ان يلزموننا بطريق لنا حق الرفض
او الاستجابة .......................
هذا عمل اعداء الدين ...لكي يكرهونا في ديننا و اتباعه....ليست الا مؤامرة
من سلسلة المؤامرات المتتابعه في مكتوب و خارجه ............... و هل هذا
المدعي الاسلام ستدخله فعلته الشنعاء هذه الجنة ....او ذاك الصهيوني
سيفلح في تشتيت شملنا و إلغائنا ....كلا و الله ......
محاولات فاشلة و غبية و في قمة الشر .....................
ثم لا يهمنا لو اخترقت او حذفت مدوناتنا ....نحن نملك عقولنا و لا يمكن
لاحد ان يطمسها ولا ان يخترقها .....فتبا للتكنلوجيا التي استخدمها السفهاء
للايذاء ........ حسبنا الله و نعم الوكيل حسبنا الله و نعم الوكيل ......
فليبقى ذلك الادراج اعلانا فاضحا عن امراض العقول ........................
و ليتولانا الله برحمته ....و يكفينا شر الاعداء و المتربصين و المرضى ........
تحياتي اخواني أخواتي .......
وجمعه مباركة للجميع رغم الداء و الاعداء..........
لوتس غاليتي .....
شدني الحنين الى صفحتك بحجم الكواكم و عمق البحار فوجدت جديدك يتلألأ......
لكن أعذريني فأنا على عجل ....لي عودة لقراءتك و التعليق مساءا ....
تقبلي مروري ...و محبتي ....
السلام عليكم و رحمه الله و بركاته
اختى الفاضله
ما حدث فى مكتوب من دخول هاكر على مدونات اخواننا و اخواتنا لهو امر غير مقبول و قد كتبت رساله لكل الاخوه الذين اضيروا من هذا الامر نصها كالتالى :
اخى و اختى
لا يضركم من فعل فهذا ليس بمسلم لان المسلم بحق لا يدخل هكذا من الابوب الخلفيه و ياخذ حق الغير بالسطو المبرمج و هذا اعتداء على حقوق الغير و الاسلام لا يامر بذلك
او مريض نفسيا
او
.
.
الخ
و مهما قلنا فيجب ان نتوقع اكثر من ذلك فنضع بعض الاحتياطات و اقلها حفظ الموضوعات فى اجهزتنا
و هذه هى الدنيا - صراع دائم
دمت اختى و جمعه مباركه عليك و على امه المسلمين ان شاء الله تعالى
السلام عليكم و رحمه الله و بركاته
الاخوة الفرسان...
من كتب هذا النص الفخم....جال بنا كثيرا...جال بنا عبر كثير من المحطات...جال بنا كما اراد خياله وفكره...جال بنا منذ بداية النص الى خاتمته....وما اجملها من جولة في عالم الفكر والخيال والابداع...
لا اعرف فاحساسي يقول ان من بدع هنا هي لوتس صوالحة.....
وايا يكن فهنيئا لك بهذا الابداع
تقبلوا مني تقديري لكم
غاليتي لوتس
والله يا اختي ما انتبهت الى صاحب المقال الا بعد ان استقبلت منك الرسالة
فقرات الفارسة لوتس صوالحة...
تعليقي الاول بني على الحدس فقط وما اجمله من حدس
جمعة مباركة لك ولباقي الفرسان ولجميع المسلمين
ودام الابداع
فليحتفظ الأجداد بمفاتيحهم ووثائقهم، وليحتفظ الجيل الجديد بالمفاتيح والوثائق، فما ضاع حق وراءه مطالب، والدولة العبرية تخشى من الذاكرة العربية التى لا تنسى، وهى تعيش فى رعب دائم من وجود هذه المفاتيح والوثائق، ومن هذه الذاكرة التى لا تنسى .
تحية أكبار لهذا المجهود الرائع .. عاشت فلسطين عربية ..
وعاشت المقاومة البطلة ..
نحن معكم .. نأمل التلاحم .. ندعوكم لزيارتنا ..
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
فعلاً كنت معك على كف السفر
أتنقل من مكان لآخر...
أعجبتني جداً تلك الصراحة الظاهرة في السردد
وتسلسل الأحداث...
رائع يالوتس...
الفرسان تشدني جدا ادراجاتكم..
العزيزة لوتس
تحياتى
كم هى جميلة هذه الرحلة إلى مصر (أم الدنيا)
أخذتنى قصتك منذ البداية حتى النهايه لم أستطع أن أن أتركها رغم طولها النسبى
كنت ألهث خلف كلماتك ، وروعة تصويرك ، وبراعاتك فى وصف خلجات النفس الانسانية
أجدت فى وصف شخصية البطل
بدوى بهرته أضواء المدينة
ثقافته الاسلامية ضحلة فهو لايفرق بين الصوفية التى تبارك التمسح بالأولياء ، والاخوان الذين يحاربون هذا الفكر
ويتحدث عن الشيخ حسن البنا والشيخ سيد قطب ،وأظنه لا يعرف عنهما غير اسمهما
حتى الاسم أخطأ فيه فهو يقول سيد كشك وهويقصد عبدالحميد كشك
وهذا يتفق تماما مع شخصيته التى دائما يسيطر عليها شيطان
وددت أن بطلك لم يذهب إلى الحسين أو الأزهر
ساعتها كنت سأكتب لك تعليقا مختلفا تماما
عزيزتي ..........
هذا النص فيه فيض خواطر سكنت ذاكرتها الانبهار بعبق التاريخ ........
رحلة فيها تفاصيل حاضر وواقع يفوح منه الكوابيس .....................
سرد رائع ...صور و تفاصيل و حركة ...........نص ينبض بواقعية الأمكنة
و أغوار المجتمع الحديث بتوغل عميق....نص فيه تعبير و بوح عن نهج الكاتبة
في الحياة ..و ثقافة عالية و اطلاع ........أسلوب شيق سلس ...
انفجرت مواهب الجوزاء فيه............... شربت منه حد الثمالة ......
بورك في فارسة الابداع .....لوتس الرائعه دائما ....
مودتي ...........
هو مين ده يافرسان..؟؟؟ وازاى يدخل مصر ويتسكع فى الشوارع من غير ما انا اعرف..؟؟؟ الا هى سايبه ..والا هى سايبه..؟؟؟ عموما لو كان لساته موجود فى مصر ...قولى له يمر على عمه سلامه يافرسان....يسأل على أى غيط وح يلاقينى هناك ...فى الغربيه ياام قلب شرح وبرح.
لكم كل الشكر والتقدير لزيارة مدونتي لاننسي مشاركتنا الفرحة في اطلاق سراح زميلنا الرائع سامي الحاج مصور قناة الجزيرة الذي اعتقل في غوانتاناموا على يد الصهانية والأمريكان
السادة مدونات مكتوب / تحية طيبة
أنا لا أفهم ماذا تنظروا ..... مدونتي تم تخريبها وتدميرها وحذف جميع التعليقات والصور بها ولا أستطيع الدخول حتي الآن ...
أرسلت عشرات الإيميلات والنداءات لكم .... 72 ساعة أليست كافية لإصلاح هذا الإختراق ....
كما أنني أتسأل كما تساءل الكثير من المدونات ماذا أنتم فاعلون في من أرسل إيميل لنا به صفحتكم وشعاركم ودلس علينا بتزوير صفحتكم طبق الأصل ...؟؟
حتي الآن لم أفعل مثل الكثير وعمل مدونة جديدة لأنني لا أستطيع ترك مجهود سنة و 580 موضوع وأكثر من 4300 تعليق أدراج الرياح ....
أرجوا سرعة التحرك والرد ....
صمتكم وعدم التفاعل معي ومع غيري يثير ضيقي وغيظي ....
نشرتم تنبيه .... طيب ..وماذا بعد .... ؟؟؟
أرسلت لكم من أول يوم .... ولم تكلفوا أنفسكم عناء الرد وهو واجب ..تفرضه اللياقة و التقدير ...
ما المطلوب ... أن نرحل من مكتوب .... !!!
لا أريد أن أحمل الأمر إعتبارات أخري .... وأقول أن هناك مؤامرة علي شخصي وعلي مدونتي
لاني لست في موقف العاجز حتي أردد هذا الكلام ... ما دام في قلب ينبض ...
أريد رد اليوم ... هل ستعود المدونة أم لا ... ؟؟؟؟
مهندس / هيثم أبوخليل
مدون مدونة متر الوطن بكام ..؟؟
http://metrelwatanbekam.maktoobblog.com/
انا متوقف عن الكتابة لحين اشعار اخر
أخاف على مصر..
تصوروا سفينة فقدت وسط البحر الهائج ربانها، تصوروا مركبة في قلب ريح عاصفة، وأنواء جوية جامحة، فإذا بالدفة ولا أحد عليها، وإذا بوطن يحمل فوق متنه ثمانين مليون مواطن لا يعرف واحد فيهم إلى أين تتجه بهم سفينة خرقها بعضهم عمداً ومع سبق الإصرار، هل يمكن لأهل مثل هذه السفينة أن يناموا وهم مطمئنين على أنهم سيجدون أنفسهم على الخريطة وفي المكان والمكانة التي تليق بهم؟.
غاليتي .....
مرور محبة و مودة .........................كوني بخير ..............تحياتي
الاسم: الفرسان 